ابن الجوزي

146

زاد المسير في علم التفسير

الإشارة إلى قصة ذهابهم به * قال المفسرون : قالوا ليوسف : أما تشتاق أن تخرج معنا فتلعب وتتصيد ؟ قال : بلى ، قالوا : فسل أباك أن يرسلك معنا ، قال : أفعل ، فدخلوا بجماعتهم على يعقوب ، فقالوا : يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا ، فقال : ما تقول يا بني ؟ قال : نعم يا أبت ، قد أرى من إخوتي اللين واللطف ، فأنا أحب أن تأذن لي ، فأرسله معهم ، فلما أصحروا ، أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة ، وأغلظوا له القول ، وجعل يلجأ إلى هذا ، فيضربه ، وإلى هذا ، فيؤذيه ، فلما فطن لما قد عزموا عليه ، جعل ينادي : يا أبتاه ، يا يعقوب ، لو رأيت يوسف وما ينزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك ، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك ، وضيعوا وصيتك ، وجعل يبكي بكاء شديدا . قال الضحاك عن ابن عباس : فأخذه روبيل فجلد به الأرض ، ثم جثم على صدره وأراد قتله ، فقال له يوسف : مهلا يا أخي لا تقتلني ، قال : يا ابن راحيل صاحب الأحلام ، قل لرؤياك تخلصك من أيدينا ، ولوى عنقه ليكسرها ، فنادى يوسف : يا يهوذا اتق الله في ، وخل بيني وبين من يريد قتلي ، فأدركته له رحمة ، فقال يهوذا : يا إخوتاه ، ألا أدلكم على أمر هو خير لكم وأرفق به ؟ قالوا : وما ذاك ؟ قال : تلقونه في هذا الجب فيلتقطه بعض السيارة ، قالوا : نفعل ، فانطلقوا به إلى الجب ، فخلعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه ، لم نزعتم قميصي ؟ ردوه علي أستر به عورتي ويكون كفنا لي في مماتي ، فأخرج الله له حجرا في البئر مرتفعا من الماء ، فاستقرت عليه قدماه . وقال السدي : جعلوا يدلونه في البئر ، فيتعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال : يا إخوتاه ، ردوا علي قميصي أتوارى به ، فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا ، فدلوه في البئر ، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت ، فكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها ، فلما ألقوه في الجب جعل يبكي ، فنادوه ، فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ، فمنعهم يهوذا ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام . وقال كعب : جمعوا يديه إلى عنقه ونزعوا قميصه ، فبعث الله إليه ملكا ، فحل عنه وأخرج له حجرا من الماء ، فقعد عليه ، وكان يعقوب قد أدرج قميص إبراهيم الذي كساه الله إياه يوم ألقي في النار في قصبة ، وجعلها في عنق يوسف ، فألبسه إياه الملك حينئذ ، وأضاء له الجب . وقال الحسن : ألقي في الجب ، فعذب ماؤه ، فكان يغنيه عن الطعام والشراب ، ودخل عليه جبريل ، فأنس به ، فلما أمسى نهض جبريل ليذهب ، فقال له يوسف : إنك إذا خرجت عني استوحشت ، فقال : إذا رهبت شيئا فقل : يا صريخ المستصرخين ، ويا غوث المستغيثين ، ويا مفرج كرب المكروبين ، قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شئ من أمري . فلما قالها حفته الملائكة ، فاستأنس في الجب ومكث فيه ثلاثة أيام ، وكان إخوته يرعون حول الجب . وقال محمد بن مسلم الطائفي : لما ألقي يوسف في الجب ، قال : يا شاهدا غير غائب ، ويا قريبا غير بعيد ، ويا غالبا غير مغلوب ، اجعل لي فرجا مما